عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
287
اللباب في علوم الكتاب
إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » ( أي سحر « 1 » بيّن ) يعني إذا رأوا آية ومعجزة سخروا منها لاعتقادهم أنها من باب السحر . فصل [ في أن القوم كانوا يستبعدون الحشر والقيامة ] قال ابن الخطيب : والذي عندي في هذا الباب أن يقال : القوم كانوا يستبعدون الحشر والقيامة ويقولون من مات وصار ترابا وتفرقت أجزاؤه في العالم كيف يعقل عوده بعينه ؟ وبقوا « 2 » في هذا الاستبعاد إلى حيث كانوا يسخرون ممن يذهب إلى هذا المذهب وإذا كان كذلك ولا طريق إلى إزالة هذا الاستبعاد إلّا من وجهين : أحدهما : أن يذكر لهم « 3 » الدليل على صحة الحشر والنشر مثل أن يقال لهم : هل تعلمون أن القادر على الأصعب الأشق يجب أن يكون قادرا على الأسهل . فهذا الدليل وإن كان جليّا قويّا إلا أن ( ذكر ) « 4 » أولئك المنكرين إذا عرض على قلوبهم هذه المقدمات لا يفهمونها ولا يقفون عليها وإذا ذكروا لم يتذكروها لشدة بلادتهم وجهلهم فلا جرم لم ينتفعوا بهذا الدليل . والطريق الثاني : أن يثبت الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - رسالته بالمعجزات ثم يقول : لما ثبت بالمعجزة كوني رسولا صادقا من عند اللّه فأنا أخبركم بأن البعث والقيامة حقّ ثم إنّ أولئك المنكرين لا ينتفعون بهذا الطريق أيضا لأنهم إذا رأوا معجزة قاهرة « 5 » وآية باهرة حملوها على أنها سحر وسخروا منها واستهزأوا بها . وهذا هو المراد من قوله تعالى : « وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ » . قوله : « أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ » « 6 » وهذا بيان للسّبب الذي حملهم على الاستهزاء بجميع المعجزات وهو اعتقادهم أن من مات وتفرقت أجزاؤه في العالم فما فيه من الأرض اختلط ( بتراب ) « 7 » الأرض وما فيه من المائية والهوائية اختلط ببخارات العالم . فهذا الإنسان كيف يعقل عوده بعينه حيّا ثانيا ؟ ! . ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذه الشبهة قال : قل ( لهم ) « 8 » يا محمد « نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ » أي نعم تبعثون وأنتم صاغرون ، والدخور أشد الصغار وإنما اكتفى تعالى بهذا القدر من الجواب لأنه ذكر في الآية المتقدمة البرهان القطعي « 9 » على أنه ( أمر ) « 10 » ممكن وإذا ثبت الجواب القطعي فلا سبيل
--> ( 1 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 2 ) في تفسيره وبلغوا . ( 3 ) كذا في ( أ ) والرازي . وفي ب : لهما . تحريف . ( 4 ) زيادة على تفسيره . ( 5 ) كذا في الرازي . وفي ب : ظاهرة . ( 6 ) وانظر تفسيره 26 / 127 و 128 . ( 7 ) سقط من ب . ( 8 ) زيادة من ب . ( 9 ) في « أ » القطع والرازي هنا موافق ل « ب » . ( 10 ) سقط من ب .